مجموعة المحاماة اليمنية
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مجموعة المحاماة اليمنية

المحامي علي محمد مطهر العنسي
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

 


شاطر | 
 

 العوامل الاقتصادية والاجتماعية واثرها في الفقه والتشريع((والفقيه المنحاز))

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 144
نقاط : 430
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 23/12/2009
العمر : 30

مُساهمةموضوع: العوامل الاقتصادية والاجتماعية واثرها في الفقه والتشريع((والفقيه المنحاز))   الخميس مارس 11, 2010 10:05 am

العوامل الاقتصادية والاجتماعية

واثرها في الفقه والتشريع

((والفقيه المنحاز))



بقلم المرحوم المحامي محسن ناجي

1- تصدير :

نشرت مجلة القضاء مقالة طويلة كتبها الاستاذ سالم عبيد النعمان الحاكم الدائم في محكمة تمييز العراق بعنوان ((آراء في الفقه والتشريع بأعتباراهما معبرين عن علاقات اقتصادية واوضاع اجتماعية)) .

ونظراً لما لهذه الآراء من اهمية بالغة الاثر على الفقه والتشريع في البلاد النامية ومنها العراق ، فقد رأينا ان نناقش الاستاذ النعمان آرائه هذه لكي لا يأخذها المشتغلون بالعلوم القانونية كحقيقة علمية قانونية مسلم بها .

فقد بدأ الاستاذ سالم النعمان مقالته بالقول :

((ان الدراسة التاريخية وتطور المجتمعات والنظم السياسية قديمها وحديثها ترينا ان كيف ليس هناك ما يسمى بالتشريع المحايد ،وليس هناك ايضاً ما يسمى بالفقيه المحايد .... وان هذه الدراسة تدعونا الى استخلاص المفاهيم الخطرة للدعوة الى حياد القوانين سياسياً فليس الدعوى الى الحياد الا الابقاء على القوانين القديمة او الى تبرير بقائها ، كما انها تدعو الى البقاء على المؤسسات او تبرير ابقائها ، وهو ما تسعى اليه الطبقات المنهارة لتوقف عجلة التقدم تمهيداً لأسترجاع سلطانها المفقود )) .

والدليل على صحة هذا الرأي راح الاستاذ النعمان يستشهد بالتطور التاريخي لحركة التشريع منذ عهد القانون الروماني والواحة الاثنتي عشرة التي نظمت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مجتمع اسياد العبيد المتميز بالنظام الطبقي ، الى القرون الوسطى التي ساد فيها القانون الازلي والقانون الطبيعي حتى صدور قانون نابليون الذي جاء لينظم العلاقات الاجتماعية البرجوازية آنذاك ، والى العصور الحديثة المتميزة بالقوانين الاجتماعية في الدول التي انتصرت فيها الاشتراكية لتقوم هذه القوانين بخدمة الطبقات الكادحة .

ولم يكتف الاستاذ النعمان للتدليل على صحة رأيه (( في القانون خادم النظام والفقيه المنحاز )) بالتطور التاريخي لحركة التشريع من بدء الحضارة الانسانية وحتى الوقت الحاضر ، بل راح يستقصي دراسة تاريخية اخرى لحركة الفقه الاسلامي وكيف ان هذه الدراسة ترينا وتوضح لنا ما للعلاقات الاجتماعية والتنظيمات السياسية بالأثر على آراء الفقيه والمشرّع منذ وفاة النبي (ص) وتوسع رقعة الدولة الإسلامية عندما وجد الصحابة رضي الله عنهم ان الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا تكفي لمواجهة الحاجات والضرورات المستجدة ، وان الإحداث الخطيرة والمشاكل الكبرى والتخطيط الجديد ينبغي ان تعالج بإجماع آراء الصحابة ولا ينفرد شخص واحد باتخاذ القرارات ، وبذلك وضعت اللبنات أولى لمبدأ الرأي والقياس لمواجهة الإحداث والتطورات ومعالجة المشاكل اليومية التي لا تعرف الركود . وعلى ذلك ومن جرائه ظهرت على زمن الأمويين المدارس الفقهية الإسلامية المختلفة ، منها ما كان يخدم لحكم الأموي ، ومنها ما كان يمثل التيار الفقهي المعارض كمدرسة الكوفة في العراق مركز الإشعاع الفكري ومدرسة الإمام الباقر ومن بعده ولده جعفر الصادق الذي وصفه احمد أمين في كتابه ضحى الإسلام بأنه كان من أعظم الشخصيات ذات الاثر في عصره وبعد عصره .

ويستطرد الاستاذ النعمان فيقول (( وكان لا بد من ان تتأثر المدارس الفقهية الإسلامية بالأوضاع والظروف الاجتماعية في كل قطر من الأقطار العربية التي لم تكن على نمط واحد في طريقة العيش وتؤثر هذه المدارس ايضاً بالحركات السياسية مما فوت على الأمويين هدفهم في السيطرة على المدارس الفقهية وجرها أليهم فأمتحن ابا حنيفة ومدرسته التي كانت من أقوى المدارس الفقهية وأكثرها تقدمية ببلادهم )) .

وينتهي الاستاذ النعمان من استعراضه للمدارس الفقهية الإسلامية الى القول : (( ان التوسع في الرأي والقياس ,تبني علماء العراق وفقهائه لهذا الاتجاه أوحي للمنصور بتدبير مكيدة لأبي حنيفة فعرض عليه اولاً ان يوليه القضاء فرفض ، وإزاء هذا الإصرار والروابط العديدة التي أخذت تربط حركة أبي حنيفة الفقهية والإصلاحية بقوى المعارضة السياسية وخاصة العلويين على اختلاف آرائهم قرر المنصور التخلص من العالم الفقيه ومن المعارضين كافة ..... وهكذا اقتيد الفقيه الكبير الى بغداد حيث سقاه المنصور السم فمات كما قضي على بقية المعرضين .



2- وكان الاستنتاج يناقض الاستقصاء :

واذا تجاوزنا ما وقع من اخطاء كثيرة بأقوال الاستاذ النعمان عند استعراضه التطور التاريخي لحركة التشريع منذ بدء الحضارة الانسانية حتى الوقت الحاضر وخصوصاً منها ما يتعلق بالمدارس الفقهية الإسلامية ، فأن تقصيه لأثر العوامل الاقتصادية والاجتماعية في حركة التشريع ومدى تأثيرها بهذه العوامل ليناقض تماماً ما وصل اليه من نتائج .

فقد خلص من دراسته التاريخية تلك :

(( الى ان الفقيه والمشرّع بممارستهما اليومية ومعالجتهما للقواعد العامة للتشريع وللقوانين التي تنظم العلاقات الاجتماعية لابد ان يتأثر بهذا التيار او ذلك فهما لا يعرفان الحياد وهما منحازان بطبيعة عملهما الذي يمارسانه لان القوانين تعكس الصراع الطبقي وتحقق للطبقات المسيطرة مصالحها وتحميها من خصومها فلا بد ان يكون الفقيه في هذا التيار او ذاك )) .



3- واذا كان التشريع يتطور بتطور عوامله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كما يقول الاستاذ النعمان ، فكيف يصبح القانون خادم النظام والفقيه منحازاً ؟ أليس ارتباط التشريع بعوامله المذكورة هو الذي يرينا كيف ان التشريع يتطور تبعاً للزمان والمكان ؟

واذا كانت مهمة الفقيه هي استقاء عوامل التطور الاقتصادية والاجتماعية ليبنى عليها رأياً ويصوغ منها نظرية ، فكيف يكون الفقيه منحازاً والقانون خادم النظام ؟

فإذا كان الأستاذ النعمان يقصد بقانون خادم النظام ما يراه في النظام او أنظمة معينة من تشريعات فوقية يحمي بها النظام نفسه ولا ترتبط بعوامل التطور الاقتصادية والاجتماعية ، فأن مثل هذه التشريعات مرهون وجودها بوجود النظام نفسه فهي تزول بزواله ، إذ لا يمكن ان تعكس مثل هذه التشريعات في يوم من الأيام عوامل التطور الاجتماعية والاقتصادية ، ما لم تكن هذه التشريعات قد تحققت فيها عوامل التطور المذكورة .

ان القوانين وليدة المجتمع الذي نشأت فيه مستمدة وجودها من وجوده . فمجتمع الإنسان القديم هو غير إنسان العصور الوسطى ، وهما يختلفان عن إنسان مجتمع العصور الحديثة .



4- ففي العصور القديمة وقبل عهد القانون الروماني القديم كان المجتمع بدائياً متأخراً ، وكانت الأسرة هي مركز النظام فيه ، ورب الأسرة هو صاحب الحول والقوة في ذلك النظام ، وكان يملك ان يتصرف بجميع ما تملكه الأسرة من مال ورجال . وكانت حاجات الأسرة أولية وبسيطة يقوم أفرادها بإشباعها بأنفسم فلم تكن بحاجة الى التعامل ولم تكن بحاجة لأن تتصل بأسر اخرى فتنشأ بينها وبين هذه الاسر روابط وعلاقات من نوع جديد ، تلك كانت هي عوامل تطورها وهي حالة بدائية من العيش لا تحتاج الى اكثر من سيطرة رب الاسرة عليها .

وبعد ان تماسك نظام الاسر في المجتمع القديم وتطور قام مقامه نظام القبيلة ، كما ظهر على اثر ذلك نوع من التنظيم السياسي زادت الحاجة وبفعل هذا التطور الى وضع تنظيمات جديدة أخذت بالتطور في ظل القانون الروماني القديم والواحة الاثنتي عشرة التي اشار اليها الاستاذ النعمان ليبرهن عن طريقها على طبقية نظام مجتمع اسياد العبيد .

فمجتمع اسياد العبيد في ظل القانون الروماني القديم والواحة الاثنتي عشرة هو مرحلة التطور الاجتماعي والاقتصادي في ذلك الزمن السحيق ، ولا يستدل منه على طبقية المجتمع الذي صاغ الاسياد قوانينه ليستغلوا العبيد .

على ان القانون الروماني لم يقف عند المرحلة التي اراد الاستاذ النعمان ان يوقفه عندها وهي مرحلة مجتمع اسياد العبيد ، بل اخذ المجتمع خلالها يتطور فزادت الروابط وزادت الحاجة الى المعاملات ، وبدء القانون الروماني يعترف تدريجياُ وتبعاً لزيادة الروابط والمعاملات بنوع من العلاقات الاقتصادية فتحرر من بعض شكلياته وسمح للأفراد بأن يتعاملوا برضاهم وبمحض اختيارهم في البيع والشراء والشركة والوكالة وبممارسة بعض الحريات العامة ولم يعد مجتمعاً للأسياد يضطهدون العبيد ، على النحو الذي يقف عنده ولا يتعداه الأستاذ النعمان .



5- وفي ظل العصور الوسطى وقد ظهرت الدولة تبسط سلطانها على الأفراد ،كما انتشرت المبادىء الدينية فقد أخذت الروابط الاجتماعية والاقتصادية تتسع وتزداد وكثر التعامل بين الناس ، كما ازدادت الحاجة الى بعض التنظيمات السياسية لعلاقة الأفراد بالدولة وسلطات الدولة بعضها ببعض ، وظهر نتيجة لذلك عدد من المتشرعين والفقهاء يصوغون النظريات بما يتلائم وعوامل التطور التي حدثت .

وكان من ابرز عوامل التطور في تلك الحقبة من الزمن هي العوامل الاقتصادية وما نادت به من الحرية الفردية في التملك والاتجار وترك الفرد يعمل بحرية بما يحقق الازدهار .

كما كان من الطبيعي ان يتأثر فقهاء تلك العصور بما استجد وظهر من عوامل اقتصادية واجتماعية فصاغوا لها النظريات المختلفة ودعوا الدولة الى تبني آراءهم عند تشريع القوانين .



6- وما ان حلت العصور الحديثة ، حتى بدأت عوامل تطور المجتمع تبدو واضحة فيه ، فنقلته من مجتمع متخلف الى مجتمع متطور متحضر يأخذ بأسباب الحضارة المختلفة يعمل فيها تطوراً ويلم بها من كافة الجوانب .

وعندما حل القرن السابع عشر وبرزت للوجود الدولة بشكلها الحديث ، واخذ تأثير الدين يضعف تدريجياً كما بدأت حاجات المجتمع ومتطلباته الحياتية تكثر وتتشعب ، بدأت المذاهب الاجتماعية والاقتصادية المختلفة بالظهور والتي تطورت بتطور المجتمع ذاته الى مذاهب ونظريات من نوع آخر يختلف عنه في مفهومه لعوامل هذا التطور .

وما ان حلت الحرب العالمية الأولى وتبعتها الحرب العالمية الثانية وما تركتاه من آثار اقتصادية واجتماعية بارزة أثرت تأثيراً في حياة الدول والمجتمعات مما يجعل الاحاطة بجوانبها الكثيرة المختلفة المتشعبة ليس بالأمر اليسير .

وكان للتبدلات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في الحقبة الاخيرة من العصور الحديثة اثرها الملموس على التشريع الذي كان الاساس المعتمد لبناء التنظيمات الجديدة فظهرت مدارس الفقه الحديث يأخذ بعضها بتلابيب بعض لصياغة النظريات القانونية المختلفة بما يتلائم مع التحولات والتبدلات الاجتماعية والاقتصادية التي برزت للوجود .

ولقد امتاز عصر النهضة في القرن السابع عشر بالتيارات المشبعة بالروح الفردية ،تلك الروح التي املتها ظروف التطور من خروج على القيود التي فرضتها الامبراطوريات والملكيات المستبدة الى نقمة عارمة على الامتيازات والحقوق التي كان يتمتع بها رجال الدين فأخذ الدين يضعف وسلطة الملوك والاباطرة المستبدين تتزعزع ليحل محل ذلك ما انتشر من آراء ونظريات اقتصادية واجتماعية تنادي جميعها بترك الفرد حراً يعمل على استكمال حريته من الناحيتين السياسية والاقتصادية . ولكان لعصر النهضة فقهاؤه الذين بدأوا بكل قوة ينادون بهذه الحرية ويصوغون لها النظريات المختلفة بما يتلائم وعوامل التطور الزمانية والمكانية التي ظهرت آنذاك .

ولم يقف الامر عند هذا الحد فلقد كان لانتشار الروح الفردية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر اثره البالغ في قيام صناعات كثيرة وتجميع رؤوس الاموال من شركات ضخمة فأدى ذلك الى حدوث اختلال في التوازن الاقتصادي لعوامل الانتاج ، ممنا ترتب عليه ان ظهرت طوائف العمال تنظم نفسها في نقابات كبيرة وتنادي بأحلال الروح الاجتماعي محل الروح الفردي ، كما ظهر من ينادي بأستغلال الموارد الطبيعية لتلبية ما استجد من حاجات المجتمع الجديد فأتسع استغلال الآلة وزادت مخاطر العمل ، كما حدثت زيادة كبيرة في تداول الاموال فأنتشرت نتيجة تلك الافكار الاشتراكية وظهر من ينادي بالتضامن الاجتماعي بدل الروح الفردية التي كانت تسود الحياة الاجتماعية والاقتصادية .

واذا كان التطور الذي حدث نتيجة العوامل المذكورة متسماً بروح الجماعة فقد ظهر عدد كبير من الفقهاء ينادون بالاخذ باسباب التطور الجديد ولم يعد التعامل بين الناس متروكاً لمبدأ الحرية الفردية فقد ادخل الفقهاء عليه قيوداً ما كانت لتوجد من قبل فظهر مبدأ النظام العام والاداب قيداً على الارادة ، وصاغ الفقهاء نظرية للاستغلال واخرى للاذعان . كما فرضت قيود كثيرة على حق الملكية ولم يعد مالك الشيء يملك بأن يتصرف به تصرفاً مطلقاً خالياً من القيود كما كان في الماضي ، بل صار مقيداً بالغرض الاجتماعي الذي تبدلت اليه النظرة الجديدة بفعل عوامل التطور المذكورة ، وفرضت قيود كثيرة مختلفة على عقود العمل والى غير ذلك من تبديل وتغيير في تشريعات مختلف الدول ، كان الفضل الاكبر فيها للفقهاء الذين لم يألوا جهداً بأستقصاء عوامل التطور التي أخذت بتلابيب المجتمع الجديد .



7- الفقيه المنحاز واعظاً من وعاظ النظام :

ولان كان التشريع على النحو الذي رايناه يرتبط بعوامل التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فأن عوامل التطور ذاتها نسبية تتأثر بالزمان والمكان .

(أ)- فهي تتأثر بالزمان لان ما صلح لزمن بفعل عوامل تطوره آنذاك لا يصلح لزمن آخر يختلف فيه عوامل التطور المذكورة ، ولذلك رأينا كيف ان الالواح الاثنتي عشر التي كانت تحكم عهد القانون الروماني القديم لم تعد صالحة لحكم عهد القانون الروماني المتأخر فالغيت معظمها وحلت محلها قواعد قانونية جديدة . وكذلك فقد راينا في العصور الوسطى عندما ظهرت الدولة تبسلط سلطتها على الافراد وانتشرت المبادىء الدينية كيف ان العامل الاقتصادي قد تغير وبدأت الدعوة الى الحرية الفردية في التملك والاتجار تظهر فحلت محل القيود التي كان يرسف فيها التعامل من اجراءات وشكليات لم تعد مقبولة في ظل تلك العصور .

واذا كانت عوامل التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فقد بدأت بطيئة في ظل العصور القديمة والمتوسطة ، فقد تطورت بسرعة في العصور الحديثة التي لازال عوامل التطور فيها تأخذ بتلابيب المجتمع الذي نعيشه ، فأنقلبت الدعوة الفردية الى دعوة اجتماعية كانت ولا زالت محل جدال محتدم بين اصحاب المدارس الفكرية من الفقهاء .

على اننا ان لا ننسى الصراع الذي احتدم بين فقهاء المدارس الفكرية الفقهية الإسلامية وبين النظام في عهد الأمويين والعباسيين بسبب خروج النظام في العهدين المذكورين على خط الرسوا (ص) والخلفاء الراشدين من بعده وهو خط (الشورى) ، وكيف ان هذا الصراع بدأ على عهد الإمام علي عندما عمل الأمويين على تحويل حكم الشورى (حكم الشعب) ، الى حكم الملكيات المستبدة التي تعمل على تسخير كل الامكانات ليستفيد منها نفر قليل من الناس .

لقد عمل الفقهاء في تلك الحقبة من الزمن ما كان باستطاعتهم ان يفعلوه ، فوقفوا في وجه النظام وبينوا للناس ما يجب ان يكون عليه من يحكمهم ، وهو اقصى ما يستطيع الفقيه ان يفعله .

لا ندري لماذا غمط الاستاذ النعمان حق فقهاء المدارس الفكرية الإسلامية من تلك الحقبة من الزمن فوصفهم بأنهم كانوا من المتفقين مع النظام من حيث الاساس فأن كانوا قد اختلفوا معه فأختلافهم لم يكن جوهرياً ؟ .

كيف لا يكون الاختلاف جوهرياً وصاحبه يقدم حياته ثمناً له ؟ فقد بين الاستاذ النعمان في مقالته ان فقهاء المدارس الفكرية الإسلامية قدموا ارواحهم ثمناً لآرائهم ، فهل يعتبر من يقدم حياته ثمناً لآرائه متواطئاً مع النظام ؟ .

(ب)- ومثلما تتأثر عوامنل التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالزمان تتأثر بالمكان والمحاكاة غير واردة .

ان عوامل التطور نفسها موضوعية فما يصلح منها في مكان قد لايصلح في مكان آخر . فالمجتمع في دولة صناعية هو غير المجتمع في دولة زراعية . والمجتمع في دولة غنية بمواردها الطبيعية هو غير المجتمع في دولة فقيرة لا تكفي مواردها لأشباع حاجات اهلها .

ولا تختلف عوامل التطور الاجتماعي والاقتصادي في دولة او في مجموعة من الدول عنه في دولة او مجموعة اخرى من الدول فحسب ، إذ قد تختلف في الدولة الواحدة نفسها ، فمن الملاحظ ان اسباب التطور في المدن الكبيرة التي يزدحم فيها الناس اكثر تقدماً منها في الارياف ، وهذه اكثر تقدماً من الناس الذين يعيشون في الصحراء . بالاضافة الى ان للمناخ والموقع تأثير ملحوظ على عوامل التطور المختلفة .

واتذكر بهذه المناسبة تصريحاً قاله خروتشيف وهو في زيارة لبلاد السويد المتاخمة لروسيا فقد قال : (( لو كنت احد مواطني بلادكم لما كنت شيوعياً)) . وقيل بوقته ان تصريحه هذا كان من ضمن الاسباب التي ادت الى تنحيته عن الحكم والحزب .

ان السويد ليست بلداً اشتراكياً بالمعنى المفهوم للاشتراكية في البلدان الشيوعية ، كما انها ليست بلداً رأسمالياً بالمعنى المفهوم للرأسمالية في البلدان الرأسمالية ، ولكنها عرفت كيف توجه اقتصادها وحرياتها السياسية بالنظر لظروفها المكانية وما تتمتع به من خيرات وثروات عرفت كيف تستغلها .

ولكن يجب الا يفهم من المثال المتقدم اننا نناقش الاستاذ النعمان مسائل سياسية قد يخالفنا او يتفق معنا بها ، وكل الذي يجب ان يفهم منه ان عوامل التطور اقتصادية او اجتماعية او سياسية تتقيد بالمكان مثلما هي تتقيد بالزمان وتؤثر فيها بالاضافة الى ذلك ظروف مختلفة اخرى . ليس هذا محل بحثها والافاضة فيها. وعلى اية حال ليس من بينها التشريعات الفوقية التي يدعو اليها الاستاذ النعمان في مجمل معنى مقالته المذكورة .

8- واذا كانت عوامل التطور ظاهرات اقتصادية واجتماعية تختلف بالزمان والمكان وذات تركيب معقد على ما رأينا ، فأن ((الفقيه الحقيقي)) ، هو ذلك العالم الجليل الذي لا ينفك يعمل ليل نهار في استقصاء وتحليل اسباب تلك الظاهرات ليكوّن حولها ويصوغ منها نظرية من النظريات او قاعدة من القواعد القانونية . وشأن الفقيه هذا شأن عالم الطبيعة سواء بسواء يحلل الظواهر الطبيعية ليستجلي غوامضها ويضع بشأنها قاعدة او قانوناً رياضياً .

على ان مهمة الفقيه هذه ليست بالسهولة التي يستطيع القيام بها جميع الناس ، بل هي مهمة شاقة وعسيرة لا يستطيعها سوى نفر منهم نذروا انفسهم للبحث والاستقصاء ووصلوا نتيجة لذلك الى درجة الاجتهاد .

ان الفقيه الحقيقي في مهمته الشاقة والعسيرة هذه لا يطلب منه التعصب لرأيه في ظاهرة اجتماعية او اقتصادية كان قد استقصاها وبذل في سبيل ذلك وقتاً طويلاً وكون حولها رأياً ، فكثيراً ما يحدث ان يرجع عن رأيه اذا وجد رأياً ارجح منه ، ولا يجد خير من ذلك .

فالفقيه لاينحاز لسوى رأيه ، فإذا وجد من الاسباب ما يحمله على الرجوع عن هذا الرأي رجع عنه وغدا من انصار مدرسة الرأي الراجح . اما المتفقه الذي لا تشده بالفقه رابطة والذي ينحاز الى جانب النظام بصرف النظر عن عوامل التطور الاقتصادية والاجتماعية فهو فقط واعظ من وعاظ النظام وليس فقيهاً . وهذا لا يعني ان الفقيه يجب ان يكون دائماً ضد النظام ، انما يمكن ان يكون بجانبه اذا وجد ان الحق معه .

9- القانون المدني وبرجوازية المرحوم السنهوري :

ولكي تجيء مقالة الاستاذ النعمان عن ((الفقيه المنحاز والقانون خادم النظام)) صحيحة فقد اراد ان يدلل على صحتها بأمثلة حية يستقيها من القوانين ((الموروثة البالية)) فبدأ بالقانون المدني بأعتباره – حسبما يقول- اهم القوانين ذات الخطورة على مستقبل الحركة الفقهية والتشريعية في البلاد .

وقد وجد ان يختار على تبعية القانون المدني للطبقات المتملكة موضوعين ، اولهما يتعلق ((بحق الشفعة)) ، واخر ((بعد المقاولة والاستنصاع)) .

(أ)- ففيما يتعلق ((بحق الشفعة)) فقد بين الاستاذ النعمان بأنهم ((نظام طبقي)) وهو مظهر من مظاهر الاقطاع . ولا نذهب بعيداً فالقانون المدني ذاته اعطاه هذه الصفة عندما نص عليه في الفرع الخاص الذي سمي ((بكسب الملكية ما بين الاحياء)). مضافاً الى ذلك ان حق الشفعة الموروث عن مجلة الاحكام العدلية كانت قد اقتبست معظم نصوصه من القانون المصري .

اما البرهنة على ان حق الشفعة نظام اقطاعي وطبقي ، فقد وجده الاستاذ النعمان في النقاش والصراع الذي جرى بشأنه في لجنة القانون المدني المصري في مجلس الامة عند تشريع القانون . فقد انقسم الرأي بشأن الغاء هذا الحق الى فئتين ، الاولى تريد الابقاء عليه وعلى رأسها الاقطاعي الكبير (محمد توفيق خشبة) ، والثانية تريد الغائه والتخلص من شروط اقطاعيته وكان على رأسها النائب (احمد محمد بريري). وما لبث النقاش ان تطور فأنقسم النواب الى معسكرين احدهما يؤيد خشبة الاقطاعي والآخر يؤيد البريري .

ولما كان النائب (فكري اباظة) من معسكر البريري الذي ناصر الرأي القائل بألغاء هذا الحق فقد نقل الاستاذ النعمان قسماً من اقواله ليدلل بها على اقطاعية حق الشفعة وطبقيته .

فقد قال النائب فكري اباظة : ((نحن الان امام مشكلة الملكيات الكبيرة ونريد ان نقضي عليها قضاءاً مبرماً، لأن عهد العبودية والاستعباد الارضي يجب ان يزول ، ولأننا نعاني كل المعاناة من هذا التعسف وتجميع الاطيان في يد واحدة .

ففكر اباظة الفقير اذا اراد ان يبيع ارضه وكان جاره خشبة الغني الذي يملك مئات الافدنة فأنة لا يشتري منه الفدان الذي لا يساوي ثلثمائة جنيه الا بمائة وعشرين جنيهاً فإذا رفضت بيعها هدنني بحق الشفعة وجردني من ارضي القليلة واضافها الى ملكيته الكبيرة وهكذا تندلع الملكيات الكبيرة وتجرف في تيارها الملكيات الصغيرة )) .

واذا كانت حجج واسانيد الاستاذ النعمان على طبقية حق الشفعة واقطاعيته هو رأي الاستاذ فكري والنص على هذا الحق في الفرع الخاص (( بكسب الملكية ما بين الاحياء ، من القانون المدني فهذه الحجج والاسانيد غير صحيحة من الوجهة القانونية)) .

فبالنسبة الى رأي الاستاذ فكري اباظة واقواله بشأن حق الشفعة في مجلس النواب المصري ، فأن المادة (953) مدني مصري ومثلها المادة (1128) مدني عراقي تصرحان بأن الشفعة :

(( هي حق تملك العقار المبيع ولو جبراً على المشتري ، بما قام عليه من الثمن والنفقات المعتادة )) .

فالحق بالشفعة لا يثبت وفقاً للقالنونين العراقي والمصري ، ما لم يقع بيع فعلاً ويتسجل هذا البيع في الدائرة المختصة . اما قبل ذلك فلا يستطيع لا خشبة باشا الاقطاعي ولا غير خشبة باشا ان يمتلك الارض التي تعود لفكري اباظة الفقير جبراً عليه .

بالاضافة الى ذلك فأن تملك العقار المبيع جبراً على المشتري جيب ان يتم بالثمن الذي دفعه المشتري والنفقات والمصروفات التي انفقها ، وبذلك لا يستطيع ايضاً خشبة الاقطاعي ان يشتري الدونم الواحد من ارض فكري اباظة بمبلغ مائة وعشرين جنيهاً مع ان قيمتها الحقيقية هي ثلثمائة جنيه .

ان فكري اباظة صحافي وكاتب ولم يكن في يوم من الأيام فقيهاً او قانونياً ، ولكنه اراد ان يقول شيئاً بشأن القانون المدني الذي كان معروضاً على مجلس الامة المصري آنذاك ومناقشته وكان منه هذا الكلام ، وهو كلام يصلح للنشر في الصحف والمجلات و لايصلح حجة على اقطاعية حق الشفعة .

ان الشفعة لا تثبت للشفيع الا في حالات معينة حددها نص المادة (1129) مدني ، فهي لا تثبت (1) الا للشريك في العقار الشائع : (2) للخليط في حق ارتفاق للعقار المبيع ، (3) للجار الملاصق اذا كان العقار ان المشفوع والمشفوع به من الدور او من الاراضي المعدة لبناء الدور ، او اذا كان للعقار المبيع حق ارتفاق على عقار الجار او كان لعقار الجار حق ارتفاق على العقار المبيع .

ونرى من ذلك – وبعد صدور قوانين الاصلاح الزراعي - ان لم يبقى للشفعة من اثر سوى في دور السكن والاراضي المعدة لبناء الدور .

والغرض الوحيد الذي بقي منها هو (( دفع ضرر الجوار السيء )) وما اكثره .

اما بالنسبة للنص على حق الشفعة في الفرع الخاص "" بكسب الملكية ما بين الاحياء"" في القانون المدني ، فأن الشفعة حق من حقوق الملكية التي لا زالت القوانين العراقية تعترف بها . والتنسيق بين احكام القانون يستلزم وضعها في هذا الفرع من القانون ، ولا يدل وضعها فيه على طبقية حق الشفعة او اقطاعيته .

(ب)- وفيما يتعلق ببرجوازية (( عقد المقاولة والاستصناع )) ، فقد بين الاستاذ النعمان في مقالته ان النصوص المنظمة لهذا العقد قد نقلت عن تشريعات برجوازية ، ومع ذلك فأ، يد المشرع العراقي قد عملت فيها وجعلتها تقصر عن مجاراة حتى التشريعات البرجوازية التي نقلت عنها ، إذ عمل القانون المدني على مراعاة فئة من المقاولين حتى ولو كلن ذلك على حساب المصلحة العامة .

وللبرهنة على صحة رأيه هذا اخذ الاستاذ النعمان مادة واحدة ليناقشها ويثبت عن طريقها برجوازية ورأسمالية هذا العقد ، وهي المادة (870) من القانون المدني التي تكلمت عن ضمان المهندسين الاستشاريين والمقاولين عما شيدوه من ابنية وما اقاموه من منشآت . فقد حددت هذه المادة مدة الضمان (( بخمس سنوات )) ، في حين ان المادة (651) من القانون المدني المصري قد حددت مدة هذا الضمان (( بعشر سنوات)) ، كما ان القانون العراقي اغفل العيب فيما افرد له القانون المصري فقرة خاصة . وبذلك كرس القانون المدني العراقي بهذه المادة تقوية بعض فئات البرجوازية والكمبرادورية الضعيفة والمعتمدة على السوق الخارجي المرتبط بالمتروبول ومن هذه الفئات مثلاً فئة المقاولين .

ومثلما فسر الاستاذ النعمان النصوص الخاصة بحق الشفعة خطأ ، فسر الفقرة (1) من المادة (870) من القانون المدني خطأ فوصل الى نتيجة غير صحيحة .

ان النص المذكور يضع فيما يسمى قانوناً (( بضمان المهندس الاستشاري والمقاول فيما شيداه من ابنية وما اقاماه من منشآت )) ، فهذه المادة ضمان لرب العمل وليست ضماناً للمهندس او المقاول ، المدينة بهذا الضمان هو المهندس او المقاول والدائن هو رب العمل الذي تعود اليه الابنية والمنشآت . ورب العمل على نظرية الاستاذ النعمان في البرجوازية وبرأس المال المرتبط بالمتروبول هو ( رب العمل ) وليس المقاول .

ان رب العمل في الأغلب الأعم هو الرأسمالي الذي ينشئ العمارات ويقيم ما يشاء من ابنية , اما المهندس او المقاول فهو الاجير الذي يلتزم بعدد لا يحصى من الالتزامات والمسؤوليات ، فكيف ينقلب الرأسمالي طبقة كادحة والمهندس او المقاول رأسمالياً مرتبطاً بالاستعمار ؟ .

على ان الاعتراض الرئيسي للاستاذ النعمان على المادة (870) من القانون المدني يتعلق (( بمدة الضمان)) ، فبرجوازيتها وطبقيتها بنظرة هي المدة ، فبعد ان تمت التسوية والمساومة بين مدرسة فقهاء المجلة العدلية وعميدها المرحوم منير القاضي والمدرسة الفقهية البرجوازية الحديثة وعميدها المرحوم السنهوري عمد هذا الاخير الى تنقيص مدة هذا الضمان الى (( خمس سنوات )) ترضية لعميد مدرسة المجلة بعد ان كانت في القانون المصري الذي نقلها المرحوم السنهوري عنه (( عشر سنوات )) لكي ينعم بهذا الغنم فئات المهندسين والمقاولين المرتبطين بالمتروبول .

ولكن فات الاستاذ النعمان ان مدة الضمان التي نصت عليها المادة المشار اليها هي ((مدة سقوط)) وليست ((مدة للتقادم)) ، وعلى ذلك يجوز الاتفاق بين طرفي عقد المقاولة على اطالة المدة ، لأن الممنوع فيها هو الاعفاء من الضمان او الحد منه ، اما تشد يده مدته فلم تمنعه المادة المذكورة ، ويجوز لرب العمل ان يتفق مع المهندس والمقاول على اطالة المدة الى اكثر من خمس سنوات او عشر سنوات ، وحتى يستطيعان الاتفاق على تمديدها مدة خمس عشرة سنة اذا اقتضت طبيعة الابنية والمنشآت ذلك ويعمل بهذا الاتفاق .

ولذلك كان من رأينا ان الفقرة (1) من المادة (870) من القانون المدني ليست بحاجة الى تعديل ، إذ يستطيع رب العمل – واياً كان رب العمل هذا – ان ينص في عقود مقاولاته على تمديد مدة هذا الضمان ولا يعتبر الشرط باطلاً .

اما عدم شمول النص للعيب المخل بمتانة الابنية والمنشآت بهذا الضمان ، وذلك على عكس ما فعل القانون المدني المصري الذي جعل الضمان شاملاً ، فمبعثه ان الأستاذ المرحوم السنهوري – عند وضعه للمادة المذكورة – وجد ان النص عليه تزيداً لا ضرورة له ، لان الرجوع بالضمان بسبب العيب تقرره القواعد العامة ، وهو ما أخذت به وقررت جميع اقضية محكمة تمييز العراق .



10- وبعد ان أثبتنا الخطأ في رأي الأستاذ النعمان بمثليه اللذين اراد ان يثبت بهما برجوازية القانون المدني وعدم صلاحه للمرحلة التي نمر فيها ، نعود لننظر في أقواله عن التطور التاريخي لتشريع هذا القانون ، الذي وصفه بشتى النعوت واطلق عليه مختلف الأوصاف .

فقد بين بأقواله تلك : (( ان القانون المدني ولد نتيجة صراع طويل بين مدرسة المجلة العدلية التي كان يسنها الحكم والنظام شبه الإقطاعي وقت تشريعه وعميدها منير القاضي ، وبين المدرسة البرجوازية الحديثة وعميدها عبد الرزاق السنهوري . وقد تمت التسوية والمساواة بين هاتين المدرستين بما يشبه الاندماج ، وكان تشريع القانون المدني حصيله هذا الصراع )) .

ولم ينس الأستاذ النعمان ان ينبه : (( الا ان شباب المدرسة الفقهية البرجوازية لم تعد له القدرة على الشموخ لأنه لم يستطيع ان يحقق نصراً كاملاً على مدرسة المجلة لقبوله مبدأ المساواة بين المدرستين وبذلك لم تظهر بعد تشريع هذا القانون للفقه العـراقي شخـصية مــتميزة واصبح تابعاً للفقه البرجوازي المصري او بمثابة تلميذ له )) .

ولكن لم يقل لنا الأستاذ النعمان , اين تمت هذه التسوية بين المدرستين وكيف وقعت المساومة بينهما ؟.

ان كل الذي نعرفه ويعرفه كل الناس المتصلين بالشؤون القانونية , هو ان الأستاذ المرحوم السنهوري كان دعي الى العراق لوضع القانون المدني العراقي , فلملم أوراقه واعتكف في زاوية بلبنان وقام بمحاولة تشريعية رائعة اراد بها ان يوفق بين الفقه الإسلامي وبين الفقه الغربي لتكون قانوناً مدنياً موحداً لسائر الأقطار العربية ونجح في ذلك الى حد كبير فكان القانون المدني العراقي . ولمن يحدثنا تاريخ تشريع هذا القانون ان مساومة قد وقعت بين الأستاذ السنهوري وبين مدرسة المجلة أدت الى إصدار القانون . ثم لم هذه المساومة والسنهوري مصري وليس عراقياً ولا يهمه من قريب أو بعيد النظام شبه الإقطاعي الذي كان يقوم في العراق وقت وضعه لنصوص القانون المدني. لقد قيل في وقته ان العلامة السنهوري قد تقاضي لقاء وضعه هذا القانون مبلغاً لا يزيد على خمسة الاف دينار هي ثمن الليالي الطوال التي قضاها ساهراً يحقق ويدقق ويقلب وجوه النظر المختلفة في النص الذي يختاره ليقال عنه بعد ذلك بأنه كان متواطئاً مع المدرسة الرجعية القديمة مدرسة مجلة الاحكام العدلية التي كانت تستند الى النظام شبه الاقطاعي القائم في العراق آنذاك .

ثم انه ما هو وجه الشبه بين الأستاذ المرحوم منير القاضي وبين العلامة المرحوم السنهوري . فقد كان الاول استاذاً لمجلة الاحكام العدلية في كلية الحقوق فحسب, وهو بالاضافة الى ذلك ليس عميداً لمدرسة مجلةالاحكام العدلية ، فلهذه المجلة فقهاؤها ومدارسها وعلى رأسهم العلامة المرحوم علي حيدر ، ولم يكن المرحوم القاضي عميداً لمدرسة من مدارسها .

اما العلامة السنهوري فشخصيته تختلف عن الأستاذ القاضي، فهو فقيه كبير وضع في القانون عدداً كبيراً من النظريات العلمية ومعظمها يدرس حتى الان في ارقى المعاهد القانونية في اوربا وغيرها ، وكتابه ((نظرية العقد)) وبقية مؤلفاته العلمية الاخرى هي اكبر شاهد على ذلك .

ان العلامة السنهوري ليس برجوازياً ولا عميداً للمدرسة البرجوازية في القانون ونظرياته المختلفة تشهد له على ذلك . لقد كان السنهوري رائداً من رواد المدارس الفقهية الاجتماعية فهو الذي نادى بوضع القيود على حرية التعاقد ليحدها قيد النظام العام والآداب وقد فسر هذا المبداً تفسيراً واسعاً فشمل بتفسيره هذا كافة القوانين العامة وقسماً كبيراً من القوانين الخاصة ، وهو صاحب الرأي في الحد من حقوق الملكية ووضع القيود الكثيرة لها .

ان العلامة السنهوري في تأصيله لحق الملكية نظرية لم يسبقه اليها احد . انظر ماذا يقول بشأن هذا الحق :

(( ..... واذا اريد للملكية الفردية ان تقوم على اساس مشروع ، فخير اساس لها هو العمل . فالعامل يكسب اجر عمله، وهذا الكسب االحلال هو بذرة الملكية الفردية . ومتى سلمنا بأن الفرد له حق مشروع في كسب عمله . فقد سلمنا بمشروعية الملكية الفردية . هذا الكسب الذ جناه الفرد ثمرة لعمله هو ملك له، وينبغي ان يستأثر به دون غيره، فقد كسبه بعرق جبينه وبكده ولا يوجد كسب حلال ككسب العمل، ولا حافز على العمل افضل من الكسب الحلال . واذا قلنا ان من حق الفرد ان يستأثر بكسب عمله فقد اثبتنا له حق ملكية فردية على هذا الكسب . ومن حقه اذن ان يستمتع بجميع عناصر حقه، فينتفع به استعمالاً واستغلالاً ، ويتصرف فيه وهو لا يزال حياً، وينتقل عنه الى وورثته بعد موته .هذه هي عناصر الملكية الفردية لا مناص من التسليم بها متى سلمنا بمبدأ الملكية الفردية في ذاته .

واذا كان الملك ينتقل في بعض الاحيان الى ورثة لا يستحقونه ولم يكسبوه بعملهم هم ، فهذه ضرورة لا معدى منها ، ويعوض عنها ما تولده الملكية من حافز على العمل.

على ان المال اذا انتقل الى ورثة لا يستحقونه لا يلبث ان ينتقل من ايديهم، وينتقل الى ايد اصلح .فالعمل اذن هو اساس المشروع الذي تقوم عليه الملكية الفردية، وما الملك الا الاجر استحقه الاجير، وينبغي ان يعطى اياه قبل ان يجف عرقه )) . الوسيط ج8ص480 ) وهذا التحليل الرائع للملكية الفردية لم يقله غير السنهوري (( العامل يكسب اجر عمله وهذا الكسب الحلال هو بذرة الملكية الفردية ...... هذا الكسب الذي جناه الفرد ثمرة لعمله هو ملك له وينبغي ان يستأثر به دون غيره فقد كسبه بعرق جبينه وبكده ...... فالعمل هو الاساس المشروع الذي تقوم عليه الملكية الفردية ....وينبغي ان يعطى اياه قبل ان يجف عرقه )) .

رحم الله السنهوري فقد كان فذاً عظيماً ورائداً من رواد المدارس الفقهية الاجتماعية ، عاش بالكفاف ومات بالكفاف، وكان لو اراد لن يصبح من ذوي الثراء . لقد كان عازفاً عن السلطة والسلطان ولن يك يوماً فقيهاً منحازاً يدعو للنظام .



11- قانون العقوبات وقانون التجارة :

وكان من جملة ما عابه الأستاذ النعمان على القوانين الموروثة التي كانت تكرس في اسسها العامة حماية الحكم والطبقات التي تسانده وتضمن سيطرة المستغلين قانونا العقوبات والتجارة الجديدان المشرعان اخيراً .

فقد عاب قانون العقوبات الجديد بأنه يجافي روح العصر إذ لم يأخذ بنظر الاعتبار المرحلة المتقدمة التي نمر بها . فلم يضع اسس جديدة لمعالجة الجريمة والسلوك الانساني المنحرف وبذلك فهو لا يختلف في اسسه العامة عن قانون العقوبات البغدادي الملغي .

كما عاب على قانون التجارة الجديد كونه لا يختلف في اسسه العامة عن القانون السابق اذا ما كان يجوز لبلد يسير على نهج تقدمي ويدخل في مرحلة التطور اللا رأسمالي ان يكرس قانوناً مستقلاً خاصاً للرأسمال التجاري بؤرة الرجعية والفساد، وكان يجب الغاء هذا القانون ودمجه مع القانون المدني في قانون واحد يتماشى مع الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدنا .

هذه هي اهم انتقادات الأستاذ النعمان على قانوني العقوبات والتجارة الجديدين، الاول يكرس قانون العقوبات الملغي الموروث من الاستعمار ، والثاني يكرس رأس المال التجاري . ولكن المدقق المطلع على احكام هذين القانونين لا يشاطر النعمان رأيه فيهما ، فالاول وهو قانون العقوبات قد اخذ بأحدث النظريات الحديثة في الجريمة والعقاب وعلى الاخص في قسمه العام ، إذ صاغ نظرية عامة للجريمة وفقاً لأحدث النظريات ، والعيبان الوحيدان له هما غلظة العقاب والتوسع في الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي و مطاطيتها خلافاًُ لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وفيما عدا ذلك فالقانون يعد من احدث التشريعات الجنائية .

اما الثاني وهو قانون التجارة فمعظم احكامه جديدة ولا يعيبه سوى الصياغة والتكرار في بعض نصوصه .اما كونه يكرس الرأسمال التجاري بؤرة الفساد والرجعية فلم يكن غرض الأستاذ النعمان من قوله هذا واضحاً ان الرأسمال التجاري الكبير في الوقت الحاضر ملك القطاع العام، والرأسمال التجاري الخاص اخذا بالتقلص، فلا خوف اذن من طغيانه وصيرورته بؤرة للفساد والرجعية .

اما دمج القانونين المدني والتجاري في قانون واحد فليس له من سبب ، لأن استقلالهما في قانونين يجعل الرجوع الى نصوص كل منهما سهلاً ولا تلتبس على المعنيين بالشؤون القانونية احكامهما .

على ان الأستاذ النعمان عندما تكلم عن الحركة الوطنية ذات الاتجاه الديمقراطي في اعهد الملكي وعلى رأسها الحزب الوطني الديمقراطي ذكر ان عددا من اقطابها وعلى رأسهم الأستاذ حسين جميل التي تكون بحوثه ومقالاته العديدة التي نشرها نواة لفقه تقدمي متطور كان قد دعى في تلك البحوث والمقالات الى وجوب القيام بحركة اصلاحية لتحديد القوانين . ولكن الأستاذ حسين جميل كان بعد ذلك على رأس اللجنة التي وضعت مشروع قانون العقوبات الجديد، كما شارك مشاركة فعلية في مشروع قانون التجارة الجديد ايضاً، وعلى ذلك لا نعتقد ان الأستاذ حسين جميل يشاطر الأستاذ النعمان رأيه فيما دعى اليه من الغاء قانوني العقوبات والتجارة الجديدين والكلام له الآن .



12- التشريع وليد عوامله المتطورة وليس من نظرية خاصة به :

واخطر ما في آراء الأستاذ النعمان بنظرنا هي دعوته الى ايجاد نظرية خاصة للتشريع يسترشد بها الفقيه ولا يحيد عنها وتكون سلاحاً نظرياً له تساعده وتعينه على تقدير وتقييم القوانين وآثارها على المجتمع ومدى مساهمتها في تقدمه ووحدته ، وهو ما يدعونا بنظر الأستاذ النعمان الى اعادة النظر في قانون السلطة القضائية لتنتظيم المحاكم من حيث نوعيتها وتشكيلاتها واجراءاتها بما يتفق ومتطلبات المرحلة التي نمر بها وتطلعاتها .

فإذا كنا نمر بمرحلة معينة منمراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي فكيف نصوغ لهذه المرحلة نظرية خاصة للتشريع يسترشد بها الفقيه ويتقيد بها ؟ اليست عوامل التطور في حركة مستديمة فما يصلح اليوم قد لا يصلح غداً ؟ .

واذا عملنا للمرحلة الحالية نظرية للتشريع لا نحيد عنها ونلزم الفقيه التقيد بها ، فكيف نستطيع ان نخرج عليها اذا لم تعد مثل هذه النظرية تصلح لمرحلة قادمة. لعل الأستاذ النعمان سيقول بأننا في مثل هذه الحال نعمل على ايجاد نظرية جديدة للتشريع نقيد الفقيه بها . فاذا صح مثل هذا القول فليس هناك حاجة لمثل هذه النظرية ، لان الفقيه سيعمد الى الخروج عليها ولا تبقى لها أية قيمة عملية .

ان عوامل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في حركة مستديمة كما تقدم ، فما يصلح للتشريع منها في زمن قد لا يصلح للتشريع في زمن آخر ، وما يستجد من هذه العوامل في وقت قد لا يكون موجوداً في وقت آخر .فالتشريع شيء متطور تبعاً لتطور عوامله ولا يمكن انت نخلق له نظرية ثابتة نلزم الفقيه بها والا كنا من دعاة جمود التشريع ومن اجل ذلك يصبح الفقه عملية آلية ويغدو الفقيه اسيراً لهذه العملية الآلية .

لقد وصف الأستاذ النعمان العدالة كونها شيء واسع ومعقد ، وانه اوسع من مجالات التفكير القانوني والسياسي ، وهو ما يدعونا الى المناداة بوجوب تسلح القانوني بنظرية علمية واضحة الاهداف .

ان العدالة ليست شيئاً معقداً كل التعقيد الى الحد الذي يدعونا الى المناداة بايجاد نظرية واضحة الاهداف لمفهومها يتحدد بها المشرع والفقيه ولا يحيد عنها . فاللعدالة مفهوم علمي وقانوني محدد الى حد كبير ، وصياغة نظرية جامدة لتحديد مفهومها هو بعينه الخروج على هذا المفهوم وبذلك يضيع المعنى الحقيقي للعدالة التي نستهدفها . فنحن قد نستطيع ان نجد من نشاط فرد او مجموعة من الافراد فنكبله او نكبلها ونقضي على حريته او حريتها من اجل الخير العام للمجموع ورفاهيته وامنه ، ولكن لا نستطيع ان نفعل ذلك مع كافة الافراد والغالبية العظمى منهم بداعي هذا الخير العام لان الخير العام في اساسه ما هو الا حصيلة رفاهية وخير كل فرد في المجتمع . وعلى ذلك يخلص للعدالة مفهوم محدد ومنضبط ، ولا تصبح شيئاً معقداً كل التعقيد يعلو على مجالات التفكير القانوني والسياسي فنحتاج الى نظرية يتحدد بها المشرع والفقيه ويكونا بمقتضاها مأموري ضبط .


منقول منقول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alansi.in-goo.com
 
العوامل الاقتصادية والاجتماعية واثرها في الفقه والتشريع((والفقيه المنحاز))
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مجموعة المحاماة اليمنية  :: بحوث قانونية :: بحوث قانونية-
انتقل الى: